حيدر حب الله
80
إضاءات في الفكر والدين والإجتماع
والمحيط العام عند الإنسان مقاماً لا يصدر منه بعدها إلا ما هو الخير ولا يبلغه إلا ما هو الخير ، فهو مطلق العنان لا محرّمات عليه ولا واجبات ؛ لأنّ نفسه صارت كاملة تقوم بكلّ ما ينبغي القيام به وتترك كلّ ما هو قبيح في ذاته . ولعلّه لهذا وصفت آيةٌ أخرى الشراب الذي في الجنّة بأنّه طهور ، وذلك بقولها : ( عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ) ( الإنسان : 21 ) ، وهكذا قوله تعالى : ( وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ ) ( الطور : 22 - 23 ) ، فلا تفضي هذه الكأس إلى ذهاب العقل أو النطق بما لا يصحّ النطق به ولا ينفع ، فتأمّل جيداً ، فهي خمرة غير خمرتنا . هذا ، ويستند بعض العلماء لآية إضافيّة للإشارة إلى وجود مقام أرفع من مجرّد الجنّة الماديّة يحظى به المؤمنون يوم القيامة ، قال تعالى : ( وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ( التوبة : 72 ) . هذه الآية تفيد أنّ المؤمنين موعودون بالجنّة ، لكن هناك شيء آخر غير الجنّة هو أعظم منها سيحظى به المؤمنون أيضاً يوم القيامة ، وهو الرضوان والرضا الإلهي ، فهذه الآية جعلت كلمة ( رضوان ) مبتدأ مرفوع ، وقد استخدمته بصيغة النكرة للإشارة إلى تعظيمه ، ثم جاءت بالخبر لتقول بأنّ هذا الرضوان أكبر من الجنّة ، وعقّبت ذلك بأنّ الحصول على الرضوان والجنّة هو الفوز العظيم ، وهذا يعني أنّ هناك بُعداً مادياً سيحظى به المؤمنون وهو الجنة بأنهارها ومساكنها الطيّبة ، وأنّ هناك شيئاً أعظم من الجنّة هو الرضا الإلهي . والسؤال : كيف يكون الرضا الإلهي أعظم من الجنّة ؟ أليست الجنّة هي الرضا